الزركشي

565

البحر المحيط في أصول الفقه

قال الشيخ أبو حامد ولأنه لا خلاف أن طلب العلم من فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقط عن الباقين ولو منعنا التقليد لأفضى إلى أن يكون من فروض الأعيان ونقل غير واحد إجماع الصحابة فمن بعدهم عليه فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد ولأن الذي يذكره المجتهد له من الدليل إن كان بحيث لا يكفي في الحكم فلا عبرة به وإن كان يذكر له ما يكفي فأسند إليه الحكم في مثل ذلك التزمه قطعا وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك في بعض مؤلفاته لو وجب على الكافة التحقيق دون التقليد أدى ذلك إلى تعطيل المعاش وخراب الدنيا فجاز أن يكون بعضهم مقلدا وبعضهم معلما وبعضهم متعلما ولم ترفع درجة أحد في الجنان لدرجة العلماء والمتعلمين ثم درجة المحبين وقال المصير في الموجب لتقليد العامي للعالم عدم آلة الاستنباط وتعذرها عليه في الحال والتماس أصول ذلك فلو تركه حتى يعلم جميعها ويستنبط منها لتعطلت الفرائض من العالم حتى يصيروا كلهم علماء وهذا فاسد فرخص له في قبول قول العالم الباحث ولا يجوز له قبول قول من هو مثله ومن هذا امتنع تقليد المجتهد لمثله لأن المعنى الموجب لدفع التقليد وجود الأدلة وهو متمكن منها . قلت والفرق بينه وبين العقائد أن المطلوب في العقائد العلم والمطلوب في الفروع الظن والتقليد قريب من الظن ولأن العقائد أهم من الفروع والمخطئ فيها كافر . وأورد الإمام فخر الدين شبهة للمانعين من التقليد قال إنهم يمنعون العمل بالإجماع وخبر الواحد والقياس ويتمسكون بالظواهر ويقولون حكم العقل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة ولا يترك هذا إلا لنص قاطع المتن والدلالة والعامي الذكي يعلم ذلك وإلا نبهه المفتي عليه وعلى النص القاطع في الواقعة إن جهله ولا يقال معرفة ذلك تمنعه من المعاش والمصالح التي الاشتغال عنها يفضي إلى خراب العالم لأنه يقتضي إيجاب معرفة أصول الدين ولا يجاب بأن الواجب معرفة أدلة النبوة والتوحيد جملة وهي سهلة بخلاف الفروع لكثرتها وتشعبها لأنه إن لم يعلم جميع مقدمات الدليل الجلي فقد قلد في بعضها فيكون مقلدا في النتيجة وإن علمها وما يرد فقد حصل الاشتغال وجوابه على تقدير تسليم تقليل الأدلة فذلك يحتاج إلى تأمل وممارسة وهو مفقود في العامي إذا علمت هذا فلا بد من تقسيم يجمع أفراد المسألة ويضبط شعبها فنقول العلوم نوعان :